هذه الحلقة الأولى من سلسلة مدونات تتأمل الإرث الرقمي العالمي لانتفاضات عام 2011 في المنطقة العربية.
جيل جديد من المحتجين، نشأ على وسائل التواصل الاجتماعي وغالبًا ما يُتقن أدوات الاحتجاج الرقمي، نزل إلى الشوارع خلال الأشهر والسنوات الأخيرة. في بنغلاديش وإيران وتوغو وفرنسا وأوغندا ونيبال وأكثر من دزينة من البلدان الأخرى، وظّف الشباب الأدوات الرقمية للتعبئة على نطاق واسع، وتشكيل الروايات السياسية، وإدامة حركات كان يسهل في السابق تجاهلها أو قمعها.
الأدوات المتاحة لهم واسعة، تتيح التنسيق السريع وتحويل المظالم المحلية إلى لحظات احتجاج مرئية عابرة للحدود. غير أن كل تكتيك جديد يواجه في المقابل ردّ فعل مضاد: تفرض الحكومات اليوم لوائح صارمة وتنشر أنظمة مراقبة متطورة، وتلجأ إلى التلاعب بالمحتوى والرقابة الآلية لاستباق العمل الجماعي والتنبؤ به ومعاقبة القائمين عليه.
هذه الدورة من التمكين الرقمي والقمع ليست جديدة. بل يمكن في كثير من الأوجه تتبّع جذورها إلى انتفاضات عام 2011 التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه الحركات التي يُشار إليها عادةً بـ"الربيع العربي"، لم تُعد تشكيل الخارطة السياسية فحسب... بل غيّرت أيضًا طريقة حديثنا عن الإنترنت، وطريقة استجابة الحكومات في أوقات الاحتجاج والأزمات والصراع. بعد خمسة عشر عامًا، لا يزال إرث تلك اللحظة يُحدد شروط المقاومة والسيطرة في العصر الرقمي.
في تلك المرحلة، روّجت لنا رواية مُطمئِنة مفادها أن الإنترنت سيُسهم في إرساء الديمقراطية، وأن الاتصال بحد ذاته كان ثوريًا، وأن منتجات وادي السيليكون—ولا سيما منصات التواصل الاجتماعي—كانت منحازة إلى جانب الشعوب. كانت رواية لم يتردد بعض المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا أحيانًا في تضخيمها، وأقبلت حكومات غربية بعينها على تصديقها.
بيد أن الشبكات ذاتها التي أعانت المحتجين على التنظيم وإيصال مطالبهم إلى ما وراء الحدود، أرست في الوقت نفسه أسسًا لأشكال جديدة من القمع. فعلى مرّ السنين، تحوّلت الأدوات التي احتُفي بها ذات يوم أدواتٍ للمعارضة إلى وسائل لتتبّع المعارضين ومضايقتهم وملاحقتهم قضائيًا.
تدرس هذه السلسلة الإرث الرقمي للانتفاضات التي هزّت المنطقة عام 2011: كيف طوّرت الحكومات الرقابة والمراقبة في أعقاب تلك الأحداث، وكيف تناوبت المنصات على مقاومة هذه الجهود أو تيسيرها، وكيف يواصل جيل جديد من المجتمع المدني التصدي لذلك.
"على مرّ السنين، تحوّلت الأدوات التي احتُفي بها ذات يوم أدواتٍ للمعارضة إلى وسائل لتتبّع المعارضين ومضايقتهم وملاحقتهم قضائيًا."
حين أضرم بائع الفاكهة التونسي محمد البوعزيزي النار في نفسه في السابع عشر من ديسمبر 2010، إثر تضرره المتكرر من انتهاكات السلطات المحلية، لم يكن يدري بالسلسلة من ردود الفعل التي ستُشعلها. بعد ما يقارب ثلاثة وعشرين عامًا في السلطة، وجد الرئيس زين العابدين بن علي نفسه أمام شعب سئم القمع. اجتاحت الاحتجاجات تونس حتى أُرغم على المغادرة.
في خطابه الأخير، وعد بن علي بإصلاحات: صحافة أحرى وقيود أخف على الإنترنت. ورحل قبل أن يتحقق شيء من ذلك. بالنسبة للتونسيين الذين عاشوا سنوات طويلة في ظل رقابة ممنهجة على الإنترنت وخارجه، كانت الوعود مجرد كلام فارغ.
في تلك المرحلة، كانت ضوابط الإنترنت في تونس من الأشد تقييدًا في العالم. وثّقت تقارير المنفى عبر موقع نواة منظومة تصفية محكمة: تلاعب بـDNS، وحجب لعناوين URL، وتصفية لعناوين IP، ورقابة على الكلمات المفتاحية. ومع ذلك، أسّس التونسيون في مواجهة هذه الآلة ثقافة تدوين متماسكة، معتمدين في الغالب على أدوات التحايل لإيصال المعلومات إلى خارج حدودهم. حين اندلعت الاحتجاجات—قبل أن تلحق بها وسائل الإعلام الدولية—كانوا مستعدين.
بعد أحد عشر يومًا من فرار بن علي، نزل المصريون إلى الشوارع. سارعت العناوين الدولية إلى وصفها بـ"ثورة تويتر"، خالطةً بين الأداة والحركة. توصّلت الحكومة المصرية إلى استنتاج مشابه. في السادس والعشرين من يناير، حجبت السلطات تويتر وفيسبوك. وفي اليوم التالي، قطعت الإنترنت شبه كليًا، في استباق لما سنشهده بعد خمسة عشر عامًا في إيران.
بينما كافح المصريون لتحرير بلادهم من حكم الرئيس حسني مبارك الاستبدادي، اجتاحت موجة الاحتجاجات المنطقة وصولًا إلى البحرين، حيث تجمّع المتظاهرون في دوار اللؤلؤة قبل أن يواجهوا قمعًا وحشيًا؛ وإلى سوريا، حيث تصاعدت مطالب الإصلاح الأولى لتتحول إلى نزاع من أكثر نزاعات القرن دموية؛ وإلى المغرب، حيث دفعت حركة 20 فبراير نحو تغيير دستوري. وخارج المنطقة، تشكّلت حركات في إسبانيا واليونان والبرتغال وآيسلندا والولايات المتحدة وسواها.
في كل سياق من هذه السياقات، أسهمت المنصات الرقمية في تداول الصور والشهادات والتكتيكات عبر الحدود. خلقت حضورًا مرئيًا—وألهمت بدورها كتاب تعليمات جاهزًا. راقبت الحكومات شعوبها وبعضها البعض، وتعلمت بسرعة كيف تُعطّل الشبكات، وتُحدّد المنظمين، وتستعيد السيطرة على الرواية.
السبب والنتيجة
لنكن واضحين: لم يصنع الإنترنت هذه الحركات. بل صنعتها عقود من القمع والفساد والنضال العمالي والنشاط الشعبي القاعدي. أكّدت الأبحاث اللاحقة ما كان كثيرون في المنطقة يُدركونه سلفًا: الأدوات الرقمية ساعدت الناس على تبادل المعلومات والتنسيق، لكنها لم تكن شرارة الثورة ولا محركها.
ومع ذلك، كان لأسطورة "ثورة تويتر" تداعياتها. فالتغطية الصحفية المتحمسة، وردود الفعل السياسية السريعة التي أعقبتها، رسمت استراتيجية الدول حول العالم. استثمرت الحكومات في المنطقة وما وراءها استثمارًا مكثفًا في تقنيات المراقبة، وطوّرت آليات قانونية جديدة، وعزّزت حضورها على منصات التواصل الاجتماعي، وابتكرت وسائل للتأثير على المنصات. وغدت انقطاعات الإنترنت، النادرة من قبل، أداةً اعتيادية في التعامل مع حالات الأزمات. كما وجدت الشركات نفسها أمام قرارات علنية متزايدة بشأن ما إذا كانت ستقاوم الضغط الحكومي أو تُذعن له.
حين يتعلق الأمر بالإنترنت، فإن إرث انتفاضات عام 2011 التي اجتاحت المنطقة وما وراءها هو في جوهره حكاية سلطة: كيف سعت الدول إلى توطيد سيطرتها على الفضاء الرقمي، وكيف ضيّقت المنصات—في الغالب تحت الضغط—هامش المعارضة، وكيف اضطر المجتمع المدني إلى التطور دفاعًا عنه.
ستتناول هذه السلسلة المؤلفة من خمسة أجزاء نظرة أعمق في كيفية تغيّر الإنترنت بوصفه فضاءً للمعارضة وللأمل على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، في المنطقة وما وراءها.











